ابن الحسن النباهي الأندلسي

111

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

الغيل ، وأجفلتم إجفال الرئال « 1 » عن المقتنصين ! فألحقتم العار بأنفسكم ، بعد اختياري لكم ؛ وطرقتم الشرّ على أعناقكم ، وضيّعتم حرماتكم ، وأحضرتم ذمّتكم ؛ فلا نعمتي رعيتم ، ولا تزييني حفظتم ، ولا وجوهكم أبقيتم ، ولا غضب اللّه ورسوله اتقيتم ! فقد قال اللّه عزّ وجلّ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ، إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً ، فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ « 2 » وقال : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ ، أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ ، فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ؛ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ « 3 » ففيم ، ولم كان انحيازكم ، أشكّا في وعد ربّكم ؟ أم خورا في أصل طبعكم ؟ أم عجزا عن دفع باطلهم بحقّكم ؟ ما كان إلّا لسفه أحلامكم وسوء نظركم في عاقبة أموركم ، يا أحلام الأطفال ، وأخلاق الرجال ! أنجوتم إلى دار الفناء ، التي لا تنقطع همومها ولا ترتفع غمومها ؟ وتركتم النزوع إلى دار البقاء ، التي لا ينصرم نعيمها ؟ لولا رجال من اللّه صدقوا ، فرفضوا عنكم العار بجلادهم وحرّروا رقابكم من الذلّ بجهادهم ، وبذلوا في اللّه ما بذلوه بحكم القرآن ، والرعاية لذمم الدين والسلطان ، لبرئت من جماعتكم ، وأوجبت المؤاخذة على كافّتكم ، وخرجت الإمام والأمّة عن عهدتكم ، ونصحت المسلمين في الاستبدال منكم بغيركم ! ولن أعدم من اللّه العلي العظيم عاجل نصر وحسن عقبى لعباده المخلصين ، وأوليائه المتّقين ! فلا بدّ أن ينصر دينه بما شاء لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ * « 4 » . وخلف القاضي ابن الحسن بعد وفاته ، في مكان يتولاه ، أخوه أحمد بن عبد اللّه بن الحسن . قال عياض ، وقد ذكره في « مداركه » : سمع من قاسم بن أصبغ وغيره . واستقضي بكورة ريّة إلى أن توفي ، وكان مشاورا ، وكتب عنه فيما قيل . توفي في آخر سنة 392 .

--> ( 1 ) الرئال : جمع رأل وهو ولد النعام . محيط المحيط ( رأل ) . ( 2 ) سورة الأنفال 8 ، الآية : 45 . ( 3 ) سورة الأنفال 8 ، الآية : 16 . ( 4 ) سورة التوبة 9 ، الآية : 33 ؛ وسورة الصف 61 ، الآية : 9 .